محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

207

الآداب الشرعية والمنح المرعية

وكلام الخلال يقتضي أنه لا يلعن المعينين من الكفار فإنه ذكر قاتل عمر وكان كافرا ، ويتقضي أنه لا يلعن المعين من أهل الأهواء فإنه ذكر قاتل علي وكان خارجيا ، ثم استدل القاضي للمنع بما جاء من ذم اللعن وأن هؤلاء ترجى لهم المغفرة لا تجوز لعنتهم لأن اللعن يقتضي الطرد والإبعاد ، بخلاف من حكم بكفره من المتأولين فإنهم مبعدون من الرحمة كغيرهم من الكفار ، واستدل على جواز ذلك وإطلاقه بالنصوص التي جاءت في اللعن وجميعها مطلقة كالراشي والمرتشي " 1 " وآكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبيه " 2 " . قال الشيخ تقي الدين : فصار للأصحاب في الفساق ثلاثة أقوال ( أحدها ) المنع عموما وتعينا إلا برواية النص . ( والثاني ) إجازتها . ( والثالث ) التفريق وهو المنصوص ، لكن المنع من المعين هل هو منع كراهة أو منع تحريم ؟ ثم قال في الرد على الرافضي لا يجوز واحتج بنهيه عليه السّلام عن لعنة الرجل الذي يدعى حمارا ، وقال هنا ظاهر كلامه الكراهة وبذلك فسره القاضي فيما بعد لما ذكر قول أحمد لا تعجبني لعنة الحجاج ونحوه ، لو عم فقال ألا لعنة اللّه على الظالمين . قال القاضي فقد كره أحمد لعن الحجاج ، قال : ويمكن أن يتأول توقف أحمد عن لعنة الحجاج ونظرائه ( أنه ) كان من الأمراء فامتنع من ذلك من وجهين ( أحدهما ) نهي جاء عن لعنة الولاة خصوصا . ( الثاني ) أن لعن الأمراء ربما أفضى إلى الهرج وسفك الدماء والفتن وهذا المعنى معدوم في غيرهم . قال الشيخ تقي الدين والذين اتخذوا أئمة في الدين من أهل الأهواء هم أعظم من الأمراء عند أصحابهم وقد يفضي ذلك إلى الفتن . وذكر يعني القاضي ما نقله من خط أبي حفص العكبري أسنده إلى صالح بن أحمد قلت لأبي : إن قوما ينسبون إلي تولي يزيد . فقال يا بني وهل يتولى يزيد أحد يؤمن باللّه واليوم الآخر ؟ فقلت ولم لا تلعنه ؟ فقال ومتى رأيتني ألعن شيئا ؟ لم لا نلعن من لعنه اللّه عز وجل في كتابه ؟ فقلت وأين لعن اللّه يزيد في كتابه ؟ فقرأ : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ * أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ [ سورة محمد : الآية 22 - 23 ] .

--> ( 1 ) قلت : وقد جاء بلفظ ( لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الراشي والمرتشي ) رواه الترمذي ( 1336 ) وأحمد ( 2 / 387 ) من حديث أبي هريرة . ورواه أيضا الترمذي ( 1337 ) وابن ماجة ( 2313 ) والحاكم ( 4 / 102 - 103 ) وأحمد ( 2 / 164 ، 190 ، 194 ) وغيرهم عن عبد اللّه بن عمرو . قال الترمذي : ( حديث حسن صحيح ) . قال الحاكم : " صحيح الإسناد " ووافقه الذهبي . وصححه الشيخ الألباني . فانظر الإرواء ( 2620 ) . ( 2 ) رواه مسلم ( المساقاة / 1598 ) . من حديث جابر ، قال : " لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه ، وقال : هم سواء " .